حسن الأمين

190

مستدركات أعيان الشيعة

العسكري أمرا بتوقيف أكثر من خمسة عشر رجلا من كبار الشخصيات ، من سياسيين ووزراء سابقين ، ومنهم عالم من كبار رجال الدين هو « ظهير الإسلام » صهر « مظفر الدين شاه » فاوقفوا وجلبوا إلى ثكنة القوزاق ، بتهمة إنشاء جمعية إرهابية سرية تريد اغتيال رئيس الوزارة « قوام السلطنة » ووزير الحربية قائد الجيش « رضا خان » . وتشكلت لجنة من ممثلين لوزارة العدلية والشرطة والكتيبة القوزاقية لاستجوابهم والتحقيق في أمرهم ، وعينت مكان انعقادها في ثكنة القوزاق . ونشر الحاكم العسكري بيانا عاما بذلك . وبعد التحقيق برأت اللجنة فريقا منهم وأطلقت سراحهم . وحكمت بنفي فريق آخر إلى خارج إيران . وكان بعض الموقوفين يرد على أسئلة المحققين بعنف وغلظة . وأصدر « رضا خان » بعد ذلك بقليل بيانا عنيفا بتوقيعه أعلن فيه أنه أوقع حكم القتل رميا بالرصاص في أربعة من العسكريين منهم اثنان من الدرك اعتديا على فتاة واثنان من القوزاق فرا من خدمة المملكة والوطن . وختم بيانه بان توعد كل من خالف رجال الجيش الذين وقفوا أنفسهم على حفظ أمن المملكة والوطن وحماية حدوده بمصير مثل هذا المصير . وفي 14 آذر سنة 1300 ه‍ . ش الموافق 7 ربيع الثاني سنة 1340 ه‍ . ق . قام « رضا خان » ، على غير ما يهوى « قوام السلطنة » والشاه ، بعمل حاسم لتحقيق أمنيته القديمة في توحيد الدرك والقوزاق في كتيبة عسكرية واحدة تكون في إمرته . فدعا ضباط الدرك إلى ثكنة القوزاق وألقى عليهم خطابا مفصلا قال فيه : يجب أن يكون جيش إيران متحد الزي . وعلى هذا يجب أن يرتدي رجال الدرك الزي القوزاقي . وأن تنحل مديرية الدرك . وفي اليوم التالي صرف قائد الدرك السويدي الكولونيل « غلروب » من الخدمة وتولى هو رئاسة هذه الكتيبة مع رئاسة القوزاق . وقد سبق هذا التدبير خلاف بين رئيس الوزارة « قوام السلطنة » ووزير الحربية « رضا خان » ، إذ كان رئيس الوزارة غير موافق عليه خوفا من تعاظم قوة وزير الحربية . وجر ذلك إلى مناقشة حامية بينهما . واضطر الشاه ، مع تأييده ل « قوام السلطنة » ومعارضته ل « رضا خان » ، إلى استدعائها ومصالحتها . ومع ذلك فان وزير الحربية أغلظ الكلام لرئيس الوزارة ، وهو يمتطي سيارته ، بعد خروجهما من حضرة الشاه ، ورد الرئيس له جوابا مماثلا . ثم أقدم « رضا خان » على إنفاذ قراره بتوحيد الكتيبتين مستبدا برأيه لا يبالي بمعارضة « قوام السلطنة » . وعلى هذا النحو كانت قدرة « رضا خان » تتعاظم يوما فيوما حتى عاد قوة تصعب معارضتها . سفر الشاه إلى أوروبا ومع تعاظم قوة « رضا خان » واتساع مجال نفوذه كان مجال التصرف يضيق يوما فيوما على « أحمد شاه » و « قوام السلطنة » . وأصبح الشاه على يقين من سوء نوايا « رضا خان » ومطامعه وتطلعاته . وضاق به الأمر فلم يجد مخرجا إلا أن يعتزل هذا الجو الذي يحيط به مؤقتا في انتظار ما تأتي به الأيام . ومن ثم قرر في 13 ربيع الأول سنة 1340 ه‍ . ق . أن يسافر إلى أوروبا . ولما انتشر نبا عزمه على السفر تلقاه الناس من كل الأوساط بالخشية والتخوف لاحتمالهم أن يكون سفره مقدمة للتخلي عن العرش . ورجوا أن يعدل الشاه عن عزمه فقاموا بمساعي كثيرة متواصلة لحمله على العدول ولكنه ظل مصرا على عزمه . وبذل السفير السوفياتي خاصة جهودا كثيرة لاقناعه بالعدول عن السفر فلم يحصل على نتيجة . ولعل حرص السفير على بقاء الشاه في ميدان السياسة كان الدافع إليه هو إيقانه بمناقضة الشاه للانكليز . وسعى هذا المسعى أيضا جماعة كبيرة من النواب من رجال البلاط وأقارب الشاه . وأرسل إليه جماعة العلماء رجال الدين يطلبون عدوله عن السفر ، ولكن الشاه ظل مصرا على عزمه . أما « رضا خان » فكان وحده ، من بين أولئك جميعا ، مرتاحا إلى سفر الشاه . حتى إنه أرسل إلى جماعة العلماء رسولا خاصا من قبله يأمرهم بان يمتنعوا عن معارضة السفر . فأجابوه بقولهم : نحن لم نعارض سفر الشاه وإنما نقلنا إليه إرادة الأمة . ولما صدر مرسوم قرار السفر نشرت إحدى الصحف مقالا عنيفا عارضت به هذا السفر . فغضب « رضا خان » وأمر بتعطيل تلك الجريدة . وفي 15 جمادى الأولى 1340 ه‍ . ق . صدر مرسوم ملكي بقرار سفر الشاه إلى أوروبا لأسباب صحية وتعيين يوم 26 جمادى الأولى سنة 1340 ه‍ . ق . موعدا له . استقالة الوزارة وفي يوم 20 جمادى الأولى سنة 1340 ه‍ . ق . استقالت وزارة « قوام السلطنة » على أثر مشادة وقعت في المجلس النيابي بين فريق من النواب وأحد الوزراء ، وبسبب مخالفة النواب لسفر الشاه . وكلف الشاه « حسن بيرنيا » الملقب ب « مشير الدولة » بتشكيل الوزارة . وانتهى من تشكيلها في 5 بهمن سنة 1300 ه‍ . ش الموافق 25 جمادى الأولى سنة 1340 ه‍ . ق . وظل « رضا خان » وزيرا للحربية فيها . وبعد استقالة وزارة « قوام السلطنة » وقبل تشكيل الوزارة الجديدة أمر « رضا خان » أحد ضباط القوزاق بتسلم مستودع الغلال الحكومي الذي في جملة مهامه توزيع الدقيق على الأفران ، وجعله في إدارة « رضا خان » لا يتصرف به أحد إلا بأمر منه . وبذلك أضاف إلى سلطاته سلطة جديدة يرتبط بها مرفق من أهم مرافق الحياة العامة اليومية . وفي الموعد المعين ، يوم 26 جمادى الأولى سنة 1340 ه‍ . ق . تحرك ركب « أحمد شاه » مرتحلا إلى أوروبا ، وخرج « رضا خان » يشيعه بمظاهر التملق يرجو بها أن يبعده عن سوء الظن . من ذلك أن سيارة الشاه كانت تعلق عجلاتها أحيانا في طين الطريق وحفرها فيترجل « رضا خان » من سيارته ويباشر بيده عمل تخليصها مما علقت به . فلما بلغ في تشييعه إلى « قصر شيرين » وأراد العودة إلى طهران ودع الشاه بان أكب على قدميه فقبلهما ، ثم أقسم له على أن يبقى أمينا مخلصا لعرشه . المطالبة برفع الحكم العسكري بعد سفر الشاه أخذ أكثر صحف طهران يخوض في حديث انقلاب الثالث من إسفند سنة 1299 ه‍ . ش . ويحمل على مسببية بمقالات عنيفة . ولكن وزير الحربية « رضا خان » أراد حسم الموضوع وقطع الكلام فيه فنشر بلاغا رسميا في الثالث من إسفند سنة 1300 ه‍ . ش . الموافق 24 جمادى الآخرة سنة 1340 ه‍ . ق . وأعلن فيه بأنه هو سبب الانقلاب الحقيقي ،